عمر افضن 

                    

            

 

لعل مثل هذا اليوم من تاريخ يوليوز 2005 ،  يجسد تاريخا مهما للمغاربة في شمال أفريقيا ، ويتعلق الأمر بلحظة مهمة في التاريخ المغربي مابعد معاهدة اكس ليبان  1955، إنها لحظة تأسيس  لخطاب سياسي امازيغي لأول مرة بالمغرب بل بالأحرى بشمال إفريقيا ،  لحظة خروج فكرة  من دماغ  المهمشون من العمل السياسي وهم الأغلبية في المجتمع المغربي  في مبادرة تأسيس تنظيم أمازيغي يحمل مشروعا مجتمعي كامل ومتكامل ، يستقي أسسه من المرجعية الامازيغية ،  وقد تم نقل هذه الفكرة  الى الأنصار بمختلف ربوع المغرب ، كان لها الأثر الكبير  في التأثير على الخطاب السياسي الرسمي للدولة المغربية، فمن جهة كانت هناك مقاومة من طرف الأحزاب  سواء منها السلفية والعروبية التي تناقض مرجعية الأمازيغ و تتلقى دعما مشرقيا  وذجنت الامازيغ مستغلة الوتر الديني ، وأخرى مافتئت تستغل الامازيغ  بانتمائها للصف التقدمي في حين  أن مطامح هذه وتلك  إنما ترى في تأسيس حزبنا تنافسا  من شأنه  أن يكتسح الساحة السياسية ، بتوعية  قاعدة هذه الأحزاب و الكفء عن استغلالها   كل موسم انتخابي،  من جانب أخرى  نجد أطرافا أخرى داخل دواليب القرار   قاوموا بشن حملة على التنظيم الامازيغي ، مسخرين في ذالك  ناطقين بالامازيغية  محسوبين على تعليمات المخزن أو ما سميناهم في نقاشاتنا ب “ضباط الأمازيغية ” ، مافتئت توجه الامازيغ بخطورة التسييس ، واستغلال الامازيغية لمصالح شخصية وغيرها من الكلام  المصطنع ، ولم تسلم منها الحركة الطلابية هي الأخرى في مجموعة من المواقع ومن ضمنها موقع ابن زهر باكادير …، كل ذالك من اجل إقبار المبادرة لكن اصرارنا وعزمنا على إخراج العمل السياسي الامازيغي الى الوجود جعلنا  نتفادى القيل والقال ، ولو أن أعداؤنا ، وليسوا خصوما سياسيين،  فجروا قنبلة  في صحافتهم المأجورة بقولهم ” صانعوا الفتنة “وعملاء إسرائيل …، وغيره من الكلام الجارح ،   و يهدفون من وراء كل هذا العداء إبقاء الامازيغ خارج العمل السياسي وتكريس هيمنة السلطة المطلقة  لأولئك الذين يؤمنون بشعارهم الأبدي ” المغرب لنا لا لغيرنا” ، وهذا التوجه المتسلط   الذي  أسس خطابه على  المرجعية الإقصائية  تجاه الأمازيغ   جعل المواطن المغربي  يعيش إنفصاما  في الشخصية ، بالتصويت على دساتير تضمن الحقوق الثقافية للمشارقة  دون غيرها  الى درجة أن النظام المغربي يبدوا انه  جزء لايتجزء من أنظمة المشرق حيث أن التمسك بالطقوس الدينية  ولغة المشارقة  يجعله في صف يريح أعداء الأمازيغية  ،  فلم يكن يتضمن إطلاقا ولو إشارة ضمنية للحماية القانونية للغة الأصلية للبلاد الاوهي الامازيغية ، غير  أن فكرة  تأسيس  الحزب  غير موازين القوى ،  رغم أن  البداية وحسب تقديرات البعض المنزعجون من الفكرة  أصلا ،  يبدو لهم مشروع تافه يرأسه  شباب غير متمرس وغير مؤهل ووو…، لكن  انعقاد المؤتمر بمراكش أبان عن حقيقة مخالفة تماما  لما يقال عن أصحاب الفكرة ، وكذبت كل التكهنات ، وكان رد فعل المخزن   إغلاق قاعة  خاصة ، معدة مسبقا لتنظيم المؤتمر وفرضت عليها  مراقبة أمنية شديدة ، وفي احتقار سافر للقوانين والمواثيق الدولية تم منعنا من عقد مؤتمر وطني لحزب عتيد سيضيف قيمة نوعية للمشهد السياسي المغربي ، لكن ماحصل بعذ ذالك هو أن السلطة لم تحترم نفسها ، ولم تعد تمنعنا من ولوج القاعة فحسب بل تريد طردنا من الفضاء العمومي،   وكانت فكرة عقد المؤتمر في الشارع هي أرحم وأن القانون المعمول به   يضمن ذالك،  وعليه فإن عقد مؤتمرنا في الفضاء العمومي  صائب بقوة القانون ، ورغم الاكراهات المادية ، فقد صمد الجميع من نساء ورجال ، بمختلف الأعمار القادمين أيضا من مختلف الجهات ،  قاسمهم المشترك  الاتفاق  على المشروع ، وتبين فيما بعد أن مؤتمرنا أصبح شرعيا بعد أن تسلمنا وصلا  بتسليم  الملف وكنا نسميه ” تمزوغت” تصغيرا للأذن ، بحكم صغر التوصيل ، أي “شئ تافه”، بالمقارنة  مما عانينا منه ، ومضايقتنا المتكررة الى درجة أن عواقبها مازلنا  نجنيها الى اليوم.

أن فكرة التأسيس وبعناصر  اقل مايمكن القول عنها إرادة جماعية  من أبناء القبائل الامازيغية ، تلقوا تعاليمهم في الجامعة المغربية وانفتحوا على مراجع التاريخ ، وتبين لهم أن هناك إجحاف في حق بلدهم المغرب مادام أن ما استقوه من معارف في الأسلاك التعليمية مجرد ترهات  وبعيد عن الحقيقة ، وروا في ذالك زورا وبهتانا للتاريخ والهوية المغربية  ،. هذا التمحيص للمعارف هو ماجعل هؤلاء الشباب ، يتحمسون أكثر في إعادة قراة تاريخ أجدادهم ،  ويتأملون  في كل الحروب التي خاضها إباؤهم وأجدادهم وزهقت أرواح عائلاتهم لكن بدون تقدير يذكر ، وهم مقتنعون  أن هناك خلل ما ، وراء إقصائهم وتهميش مناطقهم ،  واستحضروا السؤال الجوهري  مالعمل؟ لقد كان من بين المنظرين للإجابة عن هذا المسار  احد أقطاب الفكر الامازيغي الإستاد احمد اذغرني وهو بالمناسبة  يفوقونا تجربة وسنا ، وهو من رواد إخراج  فكرة الحزب ، ودعمناه في ذالك باقتناعنا بالمشروع السياسي الامازيغي ، وعاش الاستاد فترة تعامل الملك الراحل  الحسن الثاني  مع الامازيغية ، ولن نخوض في  ما وقع  ، لكن نؤكد من قراتنا للتاريخ أن ملف الامازيغية  يبقى ملف الملكية بامتياز، فلكون المؤسسة لها حسابتها ورهاناتها  فقد أقدمت على احتواء أمازيغ ، منضوين تحت لواء أحزاب  تستغل الامازيغ في كل مناسبة انتخابية  ، أو البعض الأخر من  الفعاليات الأكاديمية ذات الصلة بجذور المخزن ” الفرنكوفوني”  قادهم  محمد شفيق  الى   المعهد الملكي للثقافة الامازيغية ،  و تم تدجينهم بعد ذالك عبر حكومات متعاقبة دون أن يتحقق  أي شئ يذكر للامازيغية الأهم إدخالها في برامج للإستئناس  ، والمهرجانات وغيرها من آليات تبذير المال العام ، الى درجة أن الجمعيات في ربوع المغرب  شغلها الشاغل انتظار كل سنة مالية  لهيبة أو منحة من المعهد   لتنظيم مهرجان ، يسترزق منه ذوي ضعاف النفوس ، أما الامازيغية بالنسبة إليهم  فلتذهب الى الجحيم … ،

 مضى ما يقرب من ثماني سنوات على تأسيس الحزب  وخلال هذه الفترة  مرت أيام سوداء على إخراج هذا العمل الى الوجود ، وعانت الامازيغية  من التيار المشرقي  ومن الدينصورات التي تحتكر كل شئ  وفيها أشكال وألوان ، تسعى  الى جعل ارتباط المغاربة بالمشرق، وبدرجات الى الفرنكوفونية   وترفض قواعد اللعب العصرية في مجال ممارسة السلطة  ، وفي كل ذالك  يطالب بعض من الناطقين بالامازيغية  بتفعيل القانون التنظيمي للامازيغية . وهم بذالك  يظهرون لأعدائهم وليس لخصومهم  السياسيين ، ضعفهم  وتراجعهم عن العمل والنضال ، وهو ما يبقى الامازيغية على وضعها الميؤس منه ، فلابد لكل الغيورين  والمناضلين الامازيغ  الى تقويم الجانب السلبي في أدائهم ، والعودة  الى  المشروع السياسي الامازيغي ، أما دون ذالك فمضيعة للوقت  واستنزاف للطاقات و التفرج في تهريب الثروات…، ونحن نعلم أن مشروع الامازيغ هو البديل الحقيقي للمغاربة  فليس هو وليد اليوم ، بل هو امتداد لحضارة عريقة في شمال إفريقيا ، و إرهاصات  تفعيله قائمة اليوم  بعد فشل تصدير  الربيع العربي ، والربيع الإسلاموي ، الى شمال إفريقيا  ،  وما خلفه من دمار  ،   وستتخلص منه شعوب شمال إفريقيا  قريبا ،  وسيزحف هذا الربيع الشائك  من حيث أتى الى  مصدره الأصلي   بشبه الجزيرة العربية  وحتما  هناك سيلقى أنفاسه الأخيرة  .

 مشروع الحزب الديمقراطي الذي أسسناها  كان هو سر الإنفراج المؤقت على الإمازيغية اليوم ،  ورغم ما عنيناها ، وقدمناه من تضحيات ، يبقى المشروع قائما  بفكرته  التي تشق طريقها مجتازة المراحل ، ينبغي على رواد  تنظيمنا السياسي  أن يفهم أنصاره  أن من يقراء الجرائد  الصادرة من المركز  ولايجد فيها حملة للافتراء عليه ،  فمعنى ذالك انه أضاع نهاره السابق سدى ، فلو أمضى نهاره السابق في مكافحة نشاط  العروبين والسلفيين والخصوم السياسيين   لوجد في صباح اليوم التالي حملة التجريح والإفتراء في  الصحف نفسها .عندما يدرك الامازيغ هذا كله  يصبح تنظيمنا قوي  لايمكن أن يغلب ، أما إذا كان الجمهور الامازيغي  لازال مترددا على تنظيمنا ، فانه معذور لسوء فهمه ،  إذ كان عددنا في البداية قلة  لاحول لهم   لكنهم استطاعوا أن يحققوا  في ظرف وجيز ما عجزت  عنه الأحزاب الكبيرة .

شوهد 1819 مرات من طرف 246 زائرين

أضف مشاركة